في الحقيقة، لا أستطيع أن أمنع نفسي من مقارنة موقف المهندسة ابتهال أبو السعد ومحاولة تخيل نفسي مكانها، وبين مواقف كثير من الشخصيات المؤثرة، كـمحمد صلاح مثلًا، متخيلًا نفسي مكانه. وأنا أعلم أن هناك كثيرين يحبونه وسيظلون كذلك، ويقولون إنه مجرد لاعب كرة قدم، ليس مطلوبًا منه أن يغيّر العالم، وكأن لاعب الكرة لا يُعد إنسانًا عليه واجبات أخلاقية.
وبالمناسبة، كنت في وقت ما من أشد المعجبين به، إعجابًا لا فقط بمهاراته بل بقصة صعوده من قرية نائية إلى أضواء العالم بأسره. لكن أحيانًا كنت أتساءل: هل لو كنت مكانه، هل كنت سأضمن أن يكون تصرفي مختلفًا؟ الحقيقة أن الكلام سهل، ولا أحد يضمن نفسه. ربما كنت سأجد لنفسي مبررات، من قبيل: "أنا لن أغيّر العالم"، أو "كلامي في النهاية مجرد كلمات لن توقف ما يحدث"، فلماذا أقدم على تصرف قد يضرني ومع ذلك لن ينهي المأساة؟ قد تكون تلك حسبة خسيسة، لكنني ربما كنت سأخدّر ضميري بهذا المنطق.
وهنا يأتي دور وقيمة موقف المهندسة ابتهال، كصفعة قوية على وجه هذا المنطق الجبان. لست بحاجة إلى شرح ما هو واضح للجميع، ولا إلى إعادة التأكيد على بطولية موقفها، فقد كانت تدرك تبعاته جيدًا، وهي - يقينًا - أكثر احتياجًا لوظيفتها من محمد صلاح وغيره. وكما وضعت نفسي مكان صلاح ووجدت أني ربما كنت لأتصرف مثله، وضعت نفسي أيضًا مكان المهندسة الشريفة ابتهال أبو السعد، فوجدت أن موقفي كان سيصبح أكثر تعقيدًا بكثير.
هل كان من الممكن أن أصمت ولا أتكلم؟ ربما، ولو قلت غير ذلك فسأكون كاذبًا. وهل كان من الممكن أن أتكلم؟ محتمل أيضًا، لكن الموقف شديد الصعوبة وتبعاته حقيقية وقاسية. كنت بالتأكيد سأتأثر وأشعر بالحزن من المشاهد التي نراها جميعًا، لكن هل كان تأثري هذا سيدفعني بالضرورة إلى اتخاذ موقف كالذي اتخذته؟ من السهل أن أقول نعم، لكن الحقيقة أنني لا أعلم.
كل هذا قادني للتأمل: كيف يتمكن الإنسان من اتخاذ قرار بهذه الحسم والوضوح، دون تردد ولا حسابات؟ بعد محاولات تفكير، لم أجد طريقًا واحدًا يجعل قرارًا كهذا يبدو سهلًا وواضحًا إلا استحضار "قيمة الحياة الحقيقية".
الإنسان الذي يعيش فقط لنفسه، مهما حقق من نجاح، هو إنسان يستحق الشفقة. لأن الحياة، في نهاية المطاف، قصيرة؛ كلنا بعد خمسين أو ستين عامًا - أو مئة سنة بأقصى تقدير - سنكون تحت التراب. ليست هذه نظرة عدمية، بل على العكس؛ العدمية الحقيقية هي أن تعيش لنفسك فقط. نفسك التي تخاف عليها وتُرضيها، ستكون بعد فترة وجيزة عدمًا. والسنوات تمر بسرعة مذهلة، والشيخوخة تداهمنا ونحن لا زلنا نذكر تفاصيل طفولتنا وكأنها كانت بالأمس.
جملة "العمر قصير" ليست شعارًا مكرورًا، بل حقيقة يقينية كيقين الموت ذاته. "وتحسب أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر"؛ لا تكون هذه الجملة حقيقية إلا إذا خرجت من دائرتك الضيقة وتركت أثرًا في الخير والحق.
الحياة، بأفراحها وأتراحها، بثرواتها وعقباتها، هي في حقيقتها "رحلة قصيرة". نعم، هي جميلة، لكنها أقصر وأحقر من أن تعيشها وأنت تشعر بالعار والخزي.
لهذا قد تبدو غريبة الآية الكريمة:
"لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم"
كيف يمكن للإنسان ببساطة أن لا يحزن على ما فاته ولا يفرح بما حصل عليه؟ هذا يبدو صعبًا جدًا. لكن هذه الحالة الشعورية التي تجلت في موقف المهندسة ابتهال، والتي جعلتها تتخلى عن شيء كبير بلا ندم، تتضح عندما تربط هذه الآية بما سبقها بثلاث آيات فقط، وفيها بيان لحقيقة الحياة الدنيا:
"اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكفار نباتُه، ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطامًا، وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور."
تشبيه مذهل للحياة بالزرع الذي يُعجبنا منظره في قمة نضارته، ثم لا يلبث أن يذبل ويصفرّ ويصبح حطامًا. دورة حياة قصيرة وسريعة. إذا وضعت هذين المنظرين بجانب بعضهما البعض، ستردد بيقين: "وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور".
وفي نفس السورة، تأتي الآية:
"من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له وله أجر كريم"
والقرض الحسن لا ينحصر فقط في الصدقة، بل يمكن أن يكون موقفًا عظيمًا كموقف المهندسة ابتهال أبو السعد.
ولهذا أيضًا، حديث النبي صلى الله عليه وسلم يبدو مرعبًا ودقيقًا:
"بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن."
قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟
قال: "حب الدنيا وكراهية الموت."
تأمل معي، النبي لم يقل "قلة إيمانكم" أو "ضعف عباداتكم"، مع أن هذه الأشياء تبدو أقرب! لكنه قال: حب الدنيا وكراهية الموت، لأن هذا هو لبّ الوهن، وجوهر التراجع عن المواقف الأخلاقية. فالجبن في اتخاذ الموقف الحقّ غالبًا ما يكون بسبب التعلّق بالدنيا.
ولا أبرئ نفسي، وأقر أن حب الحياة فطرة لا يمكن تجاوزها، لكن المطلوب أن نضع هذه الحياة في حجمها الحقيقي، وندرك أن النهاية واحدة: ستموت، بعد سنة أو خمسين سنة، ستموت.
"من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له وله أجر كريم."
إسرائيل و فلسطين
👁 102 مشاهدة
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
أضف تعليقاً